مجمع البحوث الاسلامية

429

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وروي أنّ رجلا جاء إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : إنّي نزلت محلّة قوم وإنّ أقربهم إليّ جوارا أشدّهم لي أذى ؛ فبعث النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أبا بكر وعمر وعليّا يصيحون على أبواب المساجد : ألا إنّ أربعين دارا جار ولا يدخل الجنّة من لا يأمن جاره بوائقه . وقال عليّ بن أبي طالب : من سمع النّداء فهو جار . وقالت فرقة : من سمع إقامة الصّلاة فهو جار ذلك المسجد . وقالت فرقة : من ساكن رجلا في محلّة أو مدينة فهو جار ، قال اللّه تعالى : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ إلى قوله : ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا الأحزاب : 60 . فجعل تعالى اجتماعهم في المدينة جوارا . والجيرة مراتب بعضها ألصق من بعض ، أدناها الزّوجة . [ ثمّ استشهد بشعر ] ( 5 : 185 ) نحوه أبو حيّان . ( 3 : 245 ) الشّوكانيّ : وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى أي القريب جواره ، وقيل : هو من له مع الجوار في الدّار قرب في النّسب وَالْجارِ الْجُنُبِ المجانب ، وهو مقابل للجار ذي القربى ، والمراد : من يصدق عليه مسمّى الجوار مع كون داره بعيدة ، وفي ذلك دليل على تعميم الجيران بالإحسان إليهم ، سواء كانت الدّيار متقاربة ، أو متباعدة ، وعلى أنّ الجوار حرمة مرعيّة مأمور بها . وفيه ردّ على من يظنّ أنّ الجار مختصّ بالملاصق دون من بينه ، وبينه حائل ، أو مختصّ بالقريب دون البعيد . وقيل : إنّ المراد ب الْجارِ الْجُنُبِ هنا : هو الغريب ، وقيل : هو الأجنبيّ الّذي لا قرابة بينه وبين المجاور له . [ ثمّ استشهد بشعر ] وقيل : المراد ب الْجارِ ذِي الْقُرْبى : المسلم ، وب الْجارِ الْجُنُبِ : اليهوديّ ، والنّصرانيّ . وقد اختلف أهل العلم في المقدار الّذي يصدق عليه مسمّى الجوار ، ويثبت لصاحبه الحقّ ، فروي عن الأوزاعيّ والحسن : أنّه إلى حدّ أربعين دارا من كلّ ناحية ، وروي عن الزّهريّ نحوه ، وقيل : من سمع إقامة الصّلاة ، وقيل : إذا جمعتهما محلّة ، وقيل : من سمع النّداء . والأولى أن يرجع في معنى « الجار » إلى الشّرع ، فإن وجد فيه ما يقتضي بيانه ، وأنّه يكون جارا إلى حدّ كذا من الدّور ، أو من مسافة الأرض ، كان العمل عليه متعيّنا ، وإن لم يوجد رجع إلى معناه لغة أو عرفا . ولم يأت في الشّرع ما يفيد أنّ « الجار » هو الّذي بينه وبين جاره مقدار كذطا ، ولا ورد في لغة العرب أيضا ما يفيد ذلك ، بل المراد بالجار في اللّغة : المجاور ، ويطلق على معان . [ ثمّ نقل كلام الفيروزاباديّ المتقدّم في اللّغة في معنى « الجار » وحديث النّبيّ المذكور في قول القرطبيّ ، وقال : ] لو ثبت هذا لكان مغنيا عن غيره ، ولكنّه رواه - كما ترى - من غير عزوه إلى أحد كتب الحديث المعروفة ، وهو وإن كان إماما في علم الرّواية ، فلا تقوم الحجّة بما يرويه بغير سند مذكور ، ولا نقل عن كتاب مشهور ، ولا سيّما ، وهو يذكر الواهيات كثيرا ، كما يفعل في « تذكرته » . وقد ورد في القرآن ما يدلّ على أنّ المساكنة في مدينة مجاورة ، قال اللّه تعالى : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ إلى قوله : ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا